مؤتمر المناخ والمستقبل المشرق للطاقة الجديدة في دول مجلس التعاون الخليجي

قد يكون اتفاق المناخ الذي وقع هذا الأسبوع في باريس الاتفاق الأول من نوعه من حيث الحجم والأهمية في تاريخ العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية العالمية، كما أنه قد يكون الحراك السياسي الأهم الذي شهدته أنظمة الطاقة العالمية. وبعيداً عن حقيقة أنها خطوة تعاكس تماماً من الناحية الاقتصادية مصالح صادرات النفط والغاز الخليجي، تسود وجهة نظر عامة بأن المنطقة تمتلك نافذة أخرى تستطيع من خلالها العودة إلى موقعها الريادي في العصر الجديد من الطاقة بعيداً عن النفط والغاز.

للقيام بذلك يجب علينا النظر للنفط والغاز كجزء من الحل؛ والحقيقة هي أن الكثير مما هو موجود في هذا العالم، المتصل ببعضه البعض والذي يشهد غنىً مستمراً، يعود بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تأثير النفط والغاز بدءاً من تغذية المنازل والأعمال بالطاقة وظهور المدن ومد وسائل السفر بالطاقة وصولاً إلى حضور النفط والغاز على نحو أكثر تطوراً بأوجه أخرى من الصناعات التحويلية والقطاعات المختلفة وفي حياتنا اليومية.

وعلى الرغم من القرارات الصادرة هذا الأسبوع، سيبقى للوقود الأحفوري دور مهم يلعبه في الاقتصاد العالمي لفترة من الوقت. ولكن بات من الواضح أنه ولتجنب ارتفاع درجات الحرارة الكارثية يتوجب علينا اتباع نهج أكثر توازناً مع إعطاء الأولوية للأشكال الأنظف في توليد الطاقة، مما يخفف الأثار السلبية للطاقة الهيدروكربونية. إنها مهمة جريئة، ويجب على المنطقة الالتزام بها كما في أي مكان آخر في العالم. وحذرت دراسة حديثة أجراها ’معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا‘ من كارثة إقليمية وموجات حرارة تفوق قدرة تحمل الإنسان” في دول مجلس التعاون الخليجي بحلول عام 2070، وهذا ما يحتم الاستمرار بمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري على الدوام.

مع أخذ ما سبق بعين الاعتبار، فإن تأثير الطاقة النظيفة على المناخ لم يُناقش من قبل، بل تركز القلق فقط على الآثار الاقتصادية المترتبة على هذا الانتقال في عالم الطاقة. ولكن وبفضل تزايد الاقبال العالمي على الاستثمار في تقنيات الطاقة النظيفة فقد أصبحت مصادر الطاقة المتجددة أكثر من كونها حلاً لمواجهة التغير المناخي بل أصبحت فرصة اقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي للاحتفاظ بمكانتها الريادية في قطاع الطاقة وفي عملية احتضان قطاعات جديدة التي تقدم وتحافظ على آلاف فرص العمل الجديدة التي تتطلب مهارات عالية.

ما يوضح الجانب الاقتصادي لطاقة المستقبل هو تزايد الميزة التنافسية لكلفة تكنولوجيا الطاقة الشمسية، ويجعل هذا الواقع الجديد من أشعة الشمس التي تعد مصدراً غير منقطع في المنطقة سلعةً يمكن استثمارها ومصدراً ذا كفاءة عالية من حيث التكلفة للجيل الجديد من الطاقة؛ ومن المحتمل أن يطال هذا السيناريو قطاع تحلية المياه أيضاً. وتعد الطاقة الشمسية حالياً أرخص أشكال توليد الطاقة الجديدة في دولة الإمارات العربية المتحدة وفقاً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة “أرينا”، وسوف تصبح نسبة استخدامها في 80% من البلدان مساوية لنسبة الوقود الأحفوري المستخدم وذلك في غضون العامين المقبلين.

كان وجود النفط والغاز نعمةً بالنسبة للخليج، حيث تحولت أماكن الصحراوية إلى مصادر طاقة كبيرة أدت إلى ظهور مدن المستقبل مثل دبي. وأشعة الشمس الوفيرة تعد نعمةً بدورها حيث يمكن لدول الخليج من خلال اتخاذ قرارات استثمارية ذكية واعتماد سياسات طاقة متميزة أن تمتلك فرصةً فريدة لضمان دوام فوائد النفط والغاز وتحقيق نتائج إيجابية لحياة الأجيال المستقبلية.

تتمحور مهمة مجتمع الطاقة الآن حول الابتكار؛ وكمنطقة تواجه تحديات أمن الطاقة وندرة المياه، يمكن لدول الخليج أن تخسر الكثير في حال عدم اتخاذ القرارات الصحيحة. أما الآن ونحن على دراية تامة بعدم إمكانية المفاضلة بين إزالة الكربون والنمو الاقتصادي، فإن مستقبل دول مجلس التعاون الخليجي الأكثر توازناً يبدو نظيفاً ومشرقاً.