فكّر بالعربي

468437954

تعتمد شركات الاتصالات والعلاقات العامة هذه الأيام بشكل أساسي على اللغة الإنكليزية انطلاقاً من التخطيط الاستراتيجي وتقديم المشروع للعملاء، وانتهاءً بكاتبة الأخبار الصحفية والمقابلات، وقلة من الشركات التي تولي للغة العربية اهتماماً كبيراً على الرغم من أنها لغة المنطقة الأصلية.

لقد شجعني أن أكتب هذه الفكرة، كثرة ما قرأت من أخبار  لشركات ومقابلات مع متحدثين رسميين في الوسائل الإعلامية العربية المختلفة، وقد هالني حجم الأخطاء ليس الطباعية أو القواعدية فحسب، وإنما تلك التي تهز المبنى والمعنى برمته. إن الموضوع لا يتعلق أبداً بكتابة الكلمات المنمقة التي قد تخدع القارئ بجودتها أو استخدام كلمات عربية ثقيلة على المسمع والفهم والإدراك، بما يوحي بأن الكاتب ينحت في الصخر ليخرج بتحفة أدبية قل نظيرها.

إن البلاغة في اللغة تعني الإيجاز  وإيصال المعنى بأقصر الطرق وأسهل الكلمات بطريقة متسقة ومباشرة دون مواربة أو مناورة وأفضل مكان لاظهار هذه المهارة هي في الإخبار ، فلابد أن يكون للخبر الصحفي العربي طريقته الخاصة في الإعلان عن غايته وهدفه، وليس صورة منقولة حرفياً عن النص الاصلي الذي يكون عادة باللغة الإنكليزية، لأن ذلك من شأنه يضيع معنى ورسالة النص الأصلي. فإذا ما قارنت الخبر الصحفي باللغة الإنكليزية مع نظيره العربي تلحظ فيهما تشابهاً كبيراً في البناء وكل كلمة هنا تجدها مترجمة هناك بأمانة دون النظر إلى المتطلبات اللغوية الخاصة بالعربية والتي تختلف كثيراً عن اللغة الإنكليزية.

أنا هنا لست بصدد الحكم على المترجمين ولا أحملهم كامل المسؤولية، على الرغم من أنهم يتحملون جزءاً منها والجزء الآخر يقع على عاتق شركات العلاقات العامة التي دائماً مع تعلن عن حاجتها لموظفين كل ما عليهم سوى الجلوس طوال اليوم أمام أجهزة الكمبيوتر لترجمة النصوص من الإنكليزية إلى العربية، فماذا ستكون النتيجة برأيكم، غير نصوص جامدة فاقدة للحياة مترجمة بأمانة عن نظيرتها الإنكليزية التي حظي كاتبها بفرصة نقاش العميل عن مضمونها ورسالتها بينما لم تتاح هذه الفرصة أمام الكاتب العربي الذي يخاف من إطلاق العنان لموهبته في الكتابة لأنه دون شك سيقع أسيراً للنص الأصلي وعقلية كاتبه بالتفكير وفي المقابل سيتخلى عن تفكيره بالعربي، بل أكثر من ذلك فقد يصل به الأمر إلى التجاهل الواضح لعقلية الجمهور المستهدف من القراء العرب وإطارهم الثقافي والقيمي.

ليس من الصعوبة في مكان التغلب على هذه المشكلات، بالنظر إلى حجمها ومدى ضررها على مصداقية شركات العلاقات العامة نفسها لجهة تعهدها أمام العملاء بتوفير محتوى عربي عالي الجودة يكون أميناً على رؤيتها ورسالتها. فما عليها، أي شركات العلاقات العامة، سوى بذل المزيد من الاستثمار في المواهب العربية الشابة، التي تتقن الكتابة والتفكير بالعربي، وتكون قادرة على خلق هوية عربية ممنهجة لممارسات العلاقات العامة، تنطلق من فهم العلامات التجارية واحتياجاتها ورسالتها بشكل متوازٍ مع النهج الإنكليزي وليس صورة مترجمة عنه بما يحفظ أيضاً لخبراء المحتوى هامش أوسع للكتابة بلغة عربية صحيحة وواضحة.  فلقد قامت فلايشمان هيلارد من خلال مكتبها في دبي بالتركيز بشكل أساسي على اللغة العربية باعتبارها اللغة الأساسية لمعظم شعوب المنطقة وحكوماتها ولا تزال تستثمر بهذا الاتجاه وتعمل على توفير التدريب اللازم للمواهب العربية الشابة، حتى غدت ومن دون شك من بين شركات العلاقات العامة القليلة جداً في المنطقة التي تؤمن بأهمية الكلمة وقوة المحتوى العربي لمساعدة العملاء على نشر رسالتهم بشكل كامل يغطي كافة المستهدفين الرئيسيين وليس جزءاً منهم.

بقلم: يحيى عيسى، مدير عام قسم المحتوى والإعلام العربي