السيارات ذاتية القيادة، حلمٌ على الطريق

عند الحديث عن السيارات ذاتية القيادة، قد يتراءى للبعض أن هذا الأمر ما يزال ضرباً من ضروب الخيال، ومشاهدة سيارة تسير في الشارع دون أي تدخل بشري ربما يكون للبعض محض خيال علمي، إلا أن ذلك وبفضل الجهود الحثيثة التي تُبذل في هذا المجال بات اليوم أقرب إلينا من أي وقت مضى.

 فقد دخلت كبرى الشركات حول العالم في مراحل التجارب لتقنيات السيارات ذاتية القيادة، وبدأت حكومة دبي في التشغيل التجريبي لمركبة ذكية ذاتية القيادة، مع وضع خطط في تحويل 25% من إجمالي رحلات التنقل في دبي إلى رحلات ذاتية القيادة.

كما اجتاحت عالم صناعة السيارات تقنيات المساعدة على الطريق مثل نظام تثبيت السرعة النشط القادر على مراقبة حركة السير أمام السيارة وتعديل السرعة والتوقف إذا ما لزم الأمر، وتقنية مراقبة المسار على الطريق لمنع انحراف السيارة عن المسار التي تسير به ونظم مراقبة الشاخصات المرورية على الطرقات وتحديد السرعات القصوى والدنيا وغيرها من التقنيات الأخرى. وعلى الرغم من إن ظهور هذه التقنيات بشكل تجاري تحت بند “التقنيات المساعدة” وليست التقنيات المؤتمتة بالكامل، إلا أنه يمثّل خطوة أولى نحو الوصول إلى الإنتاج التجاري لسيارات ذاتية القيادة بالكامل لا تعتمد على الإنسان أبداً.

لكن كيف تعمل هذه السيارات؟ وما هي الأنظمة التي تعتمد عليها حتى تكون قادرة على “الرؤية” في الشوارع واتخاذ القرارات بناء على ذلك؟ وما هي ميزات هذه السيارات والتحديات التي تواجهها؟

إن النظم المستخدمة في السيارات ذاتية القيادة بحاجة إلى ’أعين‘ ترى بها عندما تكون على الطريق، وهذا يتمثل في الخرائط التي تحملها هذه الأنظمة بالإضافة إلى أجهزة الاستشعار المتنوعة على غرار الكاميرات والرادارات ومستشعرات الحركة والارتفاع والحرارة وغيرها، لكن يبقى اعتماد هذه النظم على الخرائط اعتماداً رئيسياً، حيث يتم تزويد السيارات ذاتية القيادة بخرائط معقدة وذات دقة عالية وتحتوي معلومات وبيانات أكبر بكثير من الخرائط التقليدية المستخدمة في تطبيقات الملاحة، وتضم عدداً من الطبقات التي تتيح لها قراءة وتحليل كمية أكبر من البيانات عن البيئة المحيطة بها بالمقارنة مع الخرائط العادية المستخدمة في نظام التموضع الجغرافي GPS.

وباستخدام البيانات الملتقطة من المستشعرات والكاميرات والخرائط، يمكن للمركبة تحديد وجهتها والتنقل بين السيارات إضافةً للقدرة على اختيار الطريق الأسرع اعتماداً على البيانات التي تصلها بشكل آني عن حركة السير.

وتقدّم السيارات ذاتية القيادة العديد من الميزات التي يمكن أن تضيفها إلى صناعة النقل، ومن هذه الميزات هي السلامة، فبحسب الإحصائيات ما يزيد عن 1,3 مليون شخص يموتون سنوياً بسبب الحوادث المرورية، و94% من هذه الحوادث سببها الأخطاء البشرية، حيث يمكن للآلة اتخاذ القرارات الصحيحة بحسب المعطيات التي تمتلكها من حالة الطقس والطريق دون أي تأثّر بعوامل مثل التعب أو النعس أو أي من الحالات التي قد تصيب الإنسان أثناء القيادة، كما تساعد هذه السيارات في اختصار الوقت اللازم للرحلات من خلال التعرّف على الطريق الأقصر والأقل ازدحاماً لبلوغ الوجهة، وهو ما يعزز أيضاً من فاعلية شبكات الطرقات ويحافظ عليها من الازدحام مع عدم الحاجة للبحث عن مواقف لركن السيارة كونها تتميز بالقدرة على التواصل مع النظم الخدمية التي توجّه السيارة إلى أقرب موقف شاغر دون الحاجة إلى أن تكون متواجداً فيها، كل ما عليك هو الوصول إلى وجهتك والنزول من السيارة لتتولى النظم الذكية فيها الباقي. كما تساعد هذه السيارات على تعزيز مبدأ التشاركية في السيارات، ذلك من خلال ربطها بالتطبيقات والبرامج التي توفر الاستجابة لطلبات المستخدمين في الحصول على سيارة تقلهم بالطريقة الأسرع والأكثر كفاءة.

وبالتأكيد، أي تغيير جوهري لقطاع بهذا الحجم سيواجه تحديات جمّة، من هذه التحديات قدرة السيارات ذاتية القيادة على العمل في الطرق ذات الحالة السيئة وإمكانية تحديد الوجهات في المدن التي لا تمتلك تنظيماً واضحاً أو تلك التي تجري بها تغييرات مستمرة بسبب العمليات الإنشائية أو التطوير المستمر للبنى التحتية، وهو ما يجعل من هذه السيارات عاجزة عن الوصول إلى هدفها في ظل هذه التغييرات. كما يتوجب على هذه السيارات أن تكون مزودة بالأنظمة الثنائية لكل وظيفة حساسة فيها، وهو الأمر الذي يزيد من التكاليف الخاصة بإنتاج هذا النوع من السيارات.

وإضافة إلى كل ما سبق، تحتاج السيارات ذاتية القيادة قبل وصولها للشوارع بشكل تجاري إلى أطر قانونية تحكم عملها، على غرار من سيتحمل مسؤولية الحوادث إن وقعت: سائق السيارة أم الشركة المصنعة للسيارة أم الشركة التي قدمت أنظمة القيادة. ولاعتمادها على الأنظمة الإلكترونية وضرورة اتصالها بشبكة الإنترنت، تبقى هذه السيارات عرضةً للاختراق من قبل القراصنة، أي أن هجمات إلكترونية لاختراق أو تعطيل النظم الإلكترونية لهذه المركبات قد تؤدي إلى تعطيل نظام النقل في مدينة ما وشلل الحركة في هذه المدينة إلى أن يتم تجاوز هذا النوع من الهجمات، وإلى جانب ذلك تحتاج هذه السيارات إلى الحفاظ على نسخة من سجلاتها على غرار الصندوق الأسود في الطائرة، بحيث يتم تسجيل حركة السيارة وكافة التفاصيل المتعلقة برحلتها، وهو ما يثير المزيد من المخاوف عن خصوصية ركاب السيارة وإمكانية اختراق هذه البيانات.

ولربما التحدي الأكبر الذي سيقف عائقاً أمام تشريع وصول هذه السيارات إلى الشوارع هو المسألة الأخلاقية، إذ من غير المعروف ما القرارات التي ستتخذها الأنظمة الذكية إذا ما ظهرت أمامها عربة طفل وما من وقت كافٍ للتوقف، على سبيل المثال، هل ستختار الاصطدام بعربة الطفل أو التوجه إلى ممر المشاة، وماذا إذا لم يكن السائق موافقاً على القرار الذي اتخذته السيارة، وهل بالإمكان معرفة هذه الخيارات أو التعديل عليها قبل شراء السيارة؟

أخيراً وليس آخراً، تبقى مشكلة قبول مثل هذه التقنية وتبنيها من قبل المستخدمين، فمن الصعب إقناع المستخدمين بترك عجلة القيادة لجهاز كمبيوتر يتولى قيادة السيارة والوصول إلى الوجهة المحددة، فبحسب الإحصاءات 45% من سائقي السيارات يرفضون أن تكون سيارتهم ذاتية القيادة، بينما 15% فقط يرغبون بالانتقال إلى سيارة ذاتية القيادة.ن تكون سيارتهم

في النهاية، لا بد من ضرورة الإشارة إلى أن شركة ’بوش‘ (إحدى عملاء فلايشمان هيلارد) هي الشركة ذات بصمة واضحة في قطاع أتمتة السيارات والسيارات المتصلة، فقد كانت قد أعلنت مؤخراً عن شراكة تجمعها مع شركة ديملر  الألمانية لصناعة السيارات لتطوير نظم المركبات المؤتمتة بالكامل (SAE-Level 4) والسيارات بدون سائق (SAE-Level 5) وجعلها حقيقة واقعة في طرقات المدن في مطلع العقد القادم، وفي محفظتها العديد من التقنيات لأتمتة السيارات ونظم للسلامة على الطرقات، مثل نظامي تعزيز المكابح الكهروميكانيكي iBooster والثبات الإلكتروني ESP وغيرها.

بقلم: محمد العبدالله

المحرر الأول في فلايشمان هيلارد